
يشهد غرب البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة تصاعداً لافتاً في التنافس الجيوسياسي والاقتصادي، في ظل التحولات الدولية المتسارعة المرتبطة بالطاقة والتجارة والأمن البحري، ما جعل المغرب وإسبانيا في قلب معادلة استراتيجية تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.
ويعتبر مراقبون أن الموقع الجغرافي الاستثنائي للمملكتين عند بوابة مضيق جبل طارق يمنحهما أهمية متزايدة في حسابات القوى الدولية، خاصة مع تنامي الرهانات المرتبطة بالممرات البحرية، وحركة التجارة العالمية، وأمن الطاقة والهجرة.
وتحولت منطقة غرب المتوسط إلى فضاء حيوي تتقاطع فيه مصالح أوروبية وإفريقية وأمريكية، في وقت تسعى فيه الرباط ومدريد إلى تعزيز حضورهما الإقليمي عبر مشاريع اقتصادية ومينائية كبرى، إلى جانب تطوير التعاون الأمني والعسكري لمواجهة التحديات المشتركة.
ويبرز المغرب خلال السنوات الأخيرة كفاعل إقليمي صاعد بفضل استثماراته الضخمة في البنية التحتية المينائية، وعلى رأسها مشروع Tanger Med الذي أصبح من بين أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ما عزز مكانة المملكة كمحور لوجستي يربط بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا.
في المقابل، تواصل إسبانيا تعزيز حضورها البحري والتجاري بالمنطقة، مع سعيها للحفاظ على موقعها كشريك اقتصادي أساسي للمغرب وبوابة رئيسية نحو الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تنامي المنافسة الدولية حول طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويرى محللون أن التعاون المغربي الإسباني في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والأمن البحري ساهم في تخفيف حدة التوترات السياسية التي طبعت العلاقات الثنائية خلال فترات سابقة، غير أن بعض القضايا المرتبطة بالمجال البحري وترسيم الحدود والمصالح الاقتصادية ما تزال تفرض نوعاً من الحذر في تدبير العلاقات بين البلدين.
كما تزداد أهمية غرب المتوسط في ظل التحولات المرتبطة بالطاقة، خاصة مع تنامي الاهتمام الأوروبي بمصادر بديلة للغاز والطاقة القادمة من شمال إفريقيا، إلى جانب مشاريع الربط الطاقي والبحري التي تراهن عليها المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد متابعون أن المغرب نجح في توظيف موقعه الجغرافي واستقراره السياسي لتعزيز حضوره داخل المعادلة المتوسطية، مستفيداً من شبكة شراكات دولية واسعة، بينما تسعى إسبانيا بدورها للحفاظ على توازناتها الاستراتيجية في منطقة تعرف تنافساً متزايداً بين عدة قوى إقليمية ودولية.
وبين منطق الشراكة وحسابات النفوذ، يبدو أن غرب المتوسط مرشح خلال السنوات المقبلة ليظل أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية حساسية، في ظل الرهانات الاقتصادية والأمنية المتنامية التي تجعل من المغرب وإسبانيا طرفين أساسيين في معادلة البحر المتوسط الجديدة.



